Content Advisory

تحذير: محتوى حساس

يغطي هذا الموقع موضوعات حساسة مثل جرائم الحرب. ويحتوي على العديد من الصور التفصيلية التي تظهر المصابين أو القتلى.

سُمَيَّة أبو عيطة
مراسلة “تي ار تي العربية” (TRT ARABI)
قطاع غزة - فلسطينروبورتاج: سركان قايا
سُمَيَّة أبو عيطة
هذا إبادة جماعية تستهدف الصحفيين بشكل مباشر

هل عملتِ في غزة من قبل؟

نعم، عملت في غزة، وتحديدًا في مدينة غزة في القطاع. أنا ابنة هذه الأرض، أنا من غزة.

هل كنتِ هناك طوال فترة الأحداث؟

توجهت إلى غزة في اليوم الأول من الحرب بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول. غادرت من مطار إسطنبول، وكنت محظوظة للغاية لأني كنت الصحفية الوحيدة التي تمكنت من دخول قطاع غزة لتغطية الحرب والهجمات هناك. في اليوم التالي، تم قصف معبر رفح وأُغلِقَت الحدود، ومنذ ذلك الحين لم يتمكن أي صحفي دولي أو أي صحفي من خارج قطاع غزة من الدخول. كان هذا أول مؤشر على ما يمكن وصفه بإبادة جماعية ضد الصحفيين في القطاع. فقد تم منع دخول جميع الصحفيين الدوليين. جلبت السلطات الإسرائيلية جميع الصحفيين والمحطات الإعلامية الدولية إلى المستوطنات المحيطة بغزة لتغطية الأحداث من الجانب الإسرائيلي، بينما كانت تقطع الاتصالات مع الصحفيين الغزيين. قُتل عدد من الصحفيين الغزيين، كما تم استهداف عائلاتهم وتجويعهم وإصابتهم. تم قصف منازل الصحفيين في هجمات متعمدة، ما كان يشير بوضوح إلى أن هذا استهداف مباشر للصحفيين.

لقد غادرتِ القطاع بعد ذلك. كيف حدث ذلك؟ كيف كان شعوركِ عند مغادرتكِ غزة؟

مغادرة غزة كانت صعبة للغاية. كنت أتمنى لو غادرت خلال فترة الهدنة التي أُطلِقَ خلالها سراح ثمانية أسرى. أما الآن فأغادر في وقت ما زالت فيه بلادي تحت النار، وما زال زملائي الصحفيون يموتون يوميًا. الآن، يُقتل صحفي فلسطيني كل يوم في قطاع غزة على يد قوات الاحتلال. الصحفيون هناك يسألون أنفسهم يوميًا: “من سيكون التالي؟”. مغادرة وطني وهو غارق في الدماء كان أمرًا صعبًا. هناك أغنية مشهورة في فلسطين تقول: “فلسطين، فلسطين، يا إمي، ويا روحي”. كان من الصعب علي أن أترك وطني وأمي وهي مضرجة بالدماء، وأترك زملائي الصحفيين يواجهون الموت.

ما نوع القصص التي استطعتِ توثيقها أثناء وجودك هناك؟

قمتُ بتوثيق قصص الأطفال الذين لم يبقَ من عائلاتهم سوى فرد واحد. كنت الصحفية الوحيدة التي استطاعت العثور على ستة أطفال وتوثيق قصصهم. كانت هذه القصص تتكرر بشكل مأساوي لأن الوضع السائد كان على هذا النحو. في أحد مقاطع الفيديو، كانت هناك طفلة صغيرة تبحث عن أفراد عائلتها الجرحى. سيارات الإسعاف كانت تنقل الجرحى الذين تم إنقاذهم من تحت الأنقاض، وكانت الطفلة تبحث عن والدتها أولًا، ثم عن إخوتها. كانت خائفة ومتوترة، وقد تبولت على نفسها من الخوف. كانت تشعر بالخجل من ناحية أخرى. في تلك اللحظة، تركت كل شيء، وأوقفت التصوير وذهبت معها، ومع عدد من الأطفال الآخرين، من مكان إلى آخر. كان من الصعب علي أن أوازن بين مهنتي وواجبي الإنساني. كنت أعلم أن الأولوية للأطفال، وقد منحتهم الأولوية حتى على عملي الصحفي. العالم قد لا يهتم كثيرًا بالأخبار التي ينشرها الصحفيون، ولكن الأهم هو صحة هؤلاء الأطفال النفسية والجسدية. أنا أيضًا أم، وأشعر بضعف تجاه الأطفال، لذلك تركت كل شيء وذهبت لمساعدتهم.

في فيديو آخر، كان هناك طفل من عائلة اللمداني من خان يونس جنوبي قطاع غزة، وقد نجا وحده من عائلته. لقد فقد الطفل جميع أفراد عائلته. استشهدت عائلته بأكملها. هو بدوره كان جريحًا وقد جاء إلى المشرحة لوداع أفراد عائلته في أكفانهم. حالته الصحية لم تمنعه من أداء واجبه الأخير تجاه أسرته، وجاء لوداعهم رغم جراحه. لقد كان ذلك مشهدًا مؤلمًا للغاية.

sumeyye-ebu-ita
1 مارس/ آذار 2024، شمال غزة، بيت لاهيا - قطاع غزة (وكالة الأناضول - موسى سالم)
في قسم العناية المركزة لحديثي الولادة في مستشفى كمال عدوان بمدينة بيت لاهيا شمال غزة، رحل طفل صغير عن العالم بسبب سوء التغذية والجفاف. استخدمت السلطات الإسرائيلية الجوع كسلاح للإبادة، وسيأتي اليوم الذي ستقف فيه أمام المحاكم الدولية لتُحاسب على إزهاق روح هذا الطفل الذي لم نعرف حتى اسمه. ستكون الصور والصحفيون من بين الشهود.

هل تعتقدين أن إسرائيل تستهدف الصحفيين عمدًا؟

نعم، أعتقد أن إسرائيل تستهدف الصحفيين عمدًا. ربما يمكن اعتبار الأمر حادثًا عرضيًا في المرة الأولى أو الثانية، لكن في غزة يُقتل صحفي يوميًا. هذه الهجمات متعمدة بوضوح. لماذا أجبرت إسرائيل الصحفيين على مغادرة شمال القطاع ومنعتهم من العمل هناك؟ لماذا لم تسمح بدخول الصحفيين الدوليين إلى غزة لتوثيق ما يحدث؟ الجواب واضح؛ لأن الصحفيين يلعبون دورًا رئيسيًا في الكشف عن الجرائم والإبادة التي ترتكبها إسرائيل في غزة.

كنتِ تعملين مع محمد العلول عندما استشهدت عائلته. هل يمكنكِ أن تحدثينا عمّا حدث بإيجاز؟

في تلك الليلة، كنّا في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب غزة. عائلة محمد العلول، وهو مصور في وكالة الأناضول، كانت تقيم في المنطقة الوسطى من القطاع. في تلك الليلة، لم يستطع محمد التواصل مع عائلته. للأسف، قصفت طائرات الاحتلال منزله، وكان محمد يتحدث على الهاتف لكنه لم يستطع التحرك، لأن التحرك ليلاً كان يعني التعرض للقصف. تم انتشال جثة ابنه الأول من تحت الأنقاض، ثم جثة ابنه الثاني. ظل محمد في حالة من الخوف والترقب حتى ساعات الصباح. كنت حينها على الهواء مباشرة، وكان محمد يجلس بجانبي. انتظر حتى طلوع الفجر ليذهب إلى المكان الذي دُفنت فيه عائلته. في تلك الليلة، فقد محمد أربعة من أبنائه، كما استشهد عدد من أقاربه، وأصيب آخرون. وعلى الرغم من هذه المأساة، استمر محمد في عمله كمصور لوكالة الأناضول في غزة، وأكمل مهمته الإنسانية في توثيق جرائم الاحتلال.

slide-0
18 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، مدينة غزة - قطاع غزة (الأناضول - سترينغر)
مستشفى الأهلي المعمداني هو واحد من أقدم المستشفيات في غزة، وشاهد على التقاء الناس من مختلف الأديان لخدمة الإنسانية. لكن المشاهد المؤلمة التي شهدناها في 18 أكتوبر/ تشرين الأول، كانت قادمة من مستشفى الشفاء، وليس الأهلي المعمداني. عندما يُستهدف مستشفى، يحزن الآخر على فراقه. وبينما كان الأطباء في مستشفى الشفاء يعقدون مؤتمراً صحفياً بين جثامين من سقطوا في الهجوم على مستشفى الأهلي المعمداني، لم تكن هناك حاجة إلى الكلمات.
slide-1
17 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، مدينة غزة - قطاع غزة (وكالة الأناضول - علي جاد الله)
الشهادة على الشهداء... هذه هي المهمة الصعبة للصحفي. في أحد الأيام المليئة بالأحزان المتكررة، التقط علي جاد الله صورة في مستشفى الشفاء لرجل يودع أطفاله، وإلى جانبه أحد أقاربه يواسيه. الإطار يجسد مشهداً من مستشفى الشفاء، حيث تحولت المستشفيات في غزة إلى أماكن وداع حزينة بدلاً من أن تكون أماكن للشفاء.
slide-2
25 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، خان يونس - قطاع غزة (وكالة الأناضول - عبد زقوت)
لو أن للمشرحة في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس لساناً لنطق... هذا المكان هو نقطة وداع تتقاطع فيه طرق من فقدوا حياتهم مع من ما زالوا مضطرين لمواصلتها. هنا يواجه الناس الموت، ثم تُدفن الجثث، ويحاول الأحياء الاستمرار في حياتهم، وإن كانت مليئة بالنواقص. غزة تقدم وصفاً معقداً للحياة حيث يتشابك الأمل مع الألم، والاستمرار مع الموت. أي ألم سينهي كل هذه الآلام، وأين ستنتهي هذه المآسي، هو سؤال لم يجد إجابته بعد.