
أنتم تؤدون مهمة صعبة، وقد مر وقت طويل منذ تواجدكم هنا. سؤالي الأول هو: هل يمكنكم وصف الانتهاكات التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في المناطق التي يسيطر عليها داخل الأراضي الإسرائيلية؟
لقد مضى الآن أكثر من أربعين يومًا منذ بداية الأحداث. هنا، يواجه الصحفيون الأتراك بشكل خاص صعوبات متزايدة مع مرور الوقت، حيث يتعرض الصحفيون الأتراك لضغوط كبيرة. في بعض الأحيان، حتى عندما نقوم ببث مباشر أمام الفندق، تأتي الشرطة للتدقيق في جوازات السفر. نحن لا نغطي الأخبار من القدس فقط، بل نتنقل أيضًا بين حدود غزة، وتل أبيب، والضفة الغربية. نواصل تصوير كل موقع نصل إليه، وفي كل مكان نذهب إليه نشعر بأن العيون تراقبنا باستمرار. باختصار، هناك محاولات لإرهاقنا نفسيًا هنا، ولكننا نسعى جاهدين لنقل كل ما نراه للعالم رغم هذه الضغوط.
هذه المنطقة ليست منطقة أزورها للمرّة الأولى، لكن هذه المهمة تعتبر واحدة من أصعب المهام التي واجهتها من ناحية إعداد التقارير الإخبارية والبثوث المباشرة.
هل سبق لك أن قمت بتغطية إخبارية وأنت محاط بهذا العدد الكبير من المسلحين؟ في مكان يُفترض أن يكون أرض السلام
لم أقم من قبل ببث في مكان يكتظ بهذا العدد من المسلحين، ولا حتى في مكان يتواجد فيه هذا الكم الهائل من المدنيين المسلحين. في تل أبيب، عندما تجلس في مقهى، قد يمر بجوارك شخص يحمل سلاحًا آليًا. وفي مركز تجاري، قد ترى مدنيًا يحمل سلاحين وهو يصعد أمامك على السلم الكهربائي. هذه المشاهد أصابتنا بالذهول، وكلما تجولنا في الشوارع، ازداد شعورنا بالقلق. من الأمور الغريبة أن الناس هنا يتمكنون من معرفة أننا أتراك من اللحظة الأولى، وهذا كان يثير استغرابنا، خاصةً أنا وزميلي المصور خليل. على سبيل المثال، عندما نجلس في مقهى ونطلب الطعام باللغة الإنكليزية، يسألنا النادل: “هل أنتم أتراك؟”، وكأن كلمة “تركي” مكتوبة على جبيننا. وفي الشوارع، تزداد مخاوفنا بسبب المسلحين والمدنيين الذين يحيطون بنا، إذ لا نعرف ما قد يفعلونه.
هل تعرضتم لأي مضايقات من المدنيين المسلحين؟
نعم، في منطقة سديروت، حيث توجد تلة يتواجد عليها جميع الصحفيين الأتراك لنقل الأخبار من حدود غزة. هناك، تعرضنا للتهديد، والكثير من الصحفيين الأتراك تعرضوا لتهديدات مسلحة. يوميًا، يأتي أشخاص لتصويرنا، ويقولون لنا: “لقد سجلنا وجوهكم في ذاكرتنا”. كان هذا يحدث كل يوم تقريبًا. خاصة في الأيام الـ 30 والـ 40 الأولى. أعتقد أن معظم الصحفيين هنا تعرضوا لمثل هذه التهديدات خلال الثلاثين أو الأربعين يومًا الأولى. نحن أيضًا واجهنا هذه التهديدات من المدنيين على تلك التلة بالقرب من الحدود.

هل مررت بموقف أثر فيك لدرجة أن فكرت في ترك المهنة أو طلب دعم نفسي؟
نعم، هناك حادثة لا تزال محفورة في ذهني. كانت يوم جمعة في القدس، عندما تعرض زميلنا المصور في وكالة الأناضول، مصطفى الخروف، للضرب المبرح. كنت أنا وزميلي خليل على الهواء مباشرة، وصورنا تلك المشاهد. خلال البث المباشر، كان كل ما يدور في ذهني هو: “حافظ على هدوئك. صف ما تراه فقط، لأن هذا سيكون شاهدًا للعالم. لا تسمح لعواطفك بالتأثير على روايتك”. كان ذلك اليوم واحدًا من أكثر اللحظات رعبًا في حياتي المهنية. لم يكن بإمكاننا فعل شيء. لم نتمكن من التدخل لإنقاذ زميلنا الذي كان يتعرض للركل على الأرض. المشهد لم يتوقف عند الركل، بل شمل الضرب بالسلاح على رأسه، والدوس عليه مرارًا. لن أنسى تلك اللحظات أبدًا. كانت من أصعب المواقف التي مررت بها، حيث كدت أستسلم لمشاعري ولم أستطع الحفاظ على مهنيتي، لكنني كنت على الهواء مباشرة، فحاولت بكل طاقتي أن أكون محترفًا. هذا الحدث كان الأكثر رعبًا بالنسبة لي.
كيف كان شعورك وأنت تعايش الأحداث خلال هذه الفترة؟
لقد حضر إلى هنا صحفيون من جميع أنحاء العالم، من أوروبا وأمريكا وآسيا. ولكن دعني أقول لك إن الصحفيين الأتراك، سواء كانوا مراسلين أو مصورين، قدموا من هنا درسًا في الصحافة للعالم أجمع. لماذا أقول ذلك؟ لأننا لم نغطي الأحداث فقط من غزة، بل من تل أبيب أيضًا. نقلنا ما حدث في سديروت، كما نقلنا ما جرى في القدس. ولهذا السبب، أعتقد أن جميع الصحفيين الأتراك الذين جاؤوا إلى هنا قدموا مثالًا يُحتذى به في مجال الصحافة، وهو أمر يستحق أن يُسجل في التاريخ.
حتى الآن، وبينما نتحدث، نرى مسلحين يمرون خلفنا
أتذكر أنني وصلت هنا في يوم جمعة، وكانت تلك ربما الجمعة السابعة أو الثامنة لي في المنطقة. لقد كنت مصدومًا من عدد رجال الشرطة المسلحين المنتشرين في كل زاوية من الشوارع. كلما مررنا بجوارهم كانوا يتعمدون توقيفنا أو يصطدمون بكتفينا، ولم نكن نفهم ماذا يحدث. لقد أصبح الأمر وكأنه عرض استعراضي. كانوا ينتشرون بكامل تجهيزاتهم العسكرية بدءًا من أول الشارع وصولاً إلى الأحياء المسلمة، وكانوا يتحركون وكأنهم في عملية أمنية. كانوا يدركون أننا نصورهم، ومع ذلك استمروا في التحرك بتلك الطريقة وكأنهم في مهمة لمكافحة الإرهاب. كل مرة كنا نشعر بالدهشة، لكنني الآن بدأت أعتاد على الأمر. لم أعد أشعر بالتوتر كما في البداية، بل أصبح الأمر كأننا نعمل معًا في مناوبة واحدة.



