في منتصف شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على منظمة ‘أمانا’، وهي واحدة من أبرز منظمات المستوطنين الإسرائيليين التي لعبت دورًا في تمويل وبناء المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية. وشملت العقوبات الأمريكية أيضًا عددًا آخر من المنظمات الاستيطانية، بالإضافة إلى عدد قليل من المستوطنين الذين انخرطوا في تنفيذ هجمات ضد الفلسطينيين.
وتأتي هذه العقوبات في أعقاب إجراءات سابقة اتخذتها إدارة الرئيس جو بايدن، حيث فرضت في شهري فبراير/ شباط، ويونيو/ حزيران، وأغسطس/ آب 2024، عقوبات على مجموعة صغيرة من المستوطنين الإسرائيليين المتطرفين المتورطين في أعمال عنف. كما بدأت دول وهيئات إقليمية أخرى، مثل الاتحاد الأوروبي وكندا والمملكة المتحدة، باتخاذ خطوات مماثلة، من خلال فرض عقوبات على منظمات استيطانية ومستوطنين متورطين في العنف.
وتشمل هذه العقوبات تجميد أصول الأفراد والكيانات المعنية داخل تلك الدول، ومنع الشركات والأفراد المحليين من التعامل التجاري معهم. لكن، تُثار تساؤلات حول ما إذا كانت هذه العقوبات تشكّل أداة فعالة للحد من عنف المستوطنين وتوسّع المستوطنات، أم أنها مجرد استعراض دبلوماسي يماطل في تطبيق آليات حقيقية للمساءلة والردع بحق إسرائيل.
وحتى الآن، لا توجد أدلة ملموسة على أن هذه العقوبات قد أدّت إلى تغييرات سلوكية ملحوظة لدى الحكومة الإسرائيلية أو حركة الاستيطان الإسرائيلية. فمنذ بداية الهجوم العسكري الإسرائيلي على غزة عقب هجوم حركة ‘حماس’ في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، سُجّل أكثر من 1400 اعتداء من قبل المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وهو أعلى معدل للعنف تشهده المنطقة منذ الانتفاضة الثانية. وتأتي هذه الاعتداءات في ظل ازدياد الاستيطان، حيث تجاوز عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية 730 ألفًا، وسط دعم ضمني - وأحيانًا علني - من الحكومة اليمينية المتطرفة في إسرائيل، مما يعزز بيئة الإفلات من العقاب.
وفي يوليو/ تموز 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية قرارًا استشاريًا قضى بأن احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية غير قانوني، ويجب أن ينتهي ‘في أقرب وقت ممكن’. وفيما يتعلق بالمستوطنات، أكدت المحكمة أن ‘المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، والنظام المرتبط بها، قد أُقيمت وتُدار بشكل غير قانوني وفقًا للقانون الدولي’. كما شددت على ضرورة أن ‘توقف إسرائيل فورًا جميع أنشطتها الاستيطانية الجديدة، وتُخلي جميع المستوطنين من الأراضي الفلسطينية المحتلة’.
وبعد مرور شهرين، تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا بأغلبية ساحقة، حيث صوّت لصالحه 124 دولة، بينما عارضته 14 دولة، وامتنعت 43 عن التصويت. في هذا القرار، أعربت الجمعية العامة عن ترحيبها برأي محكمة العدل الدولية الاستشاري، وطالبت إسرائيل بإنهاء احتلالها غير القانوني بشكل كامل بحلول منتصف شهر سبتمبر/ أيلول 2025.
وفيما يتعلق بالمستوطنات، دعا القرار جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات الهادفة إلى عزل المستوطنات على المستوى الدولي، ومن بين هذه التدابير:
الامتناع عن الدخول في علاقات تعاقدية مع إسرائيل في جميع الحالات التي تدّعي فيها العمل باسم الأراضي الفلسطينية المحتلة؛
تجنّب إقامة علاقات اقتصادية أو تجارية مع إسرائيل يمكن أن تعزز وجودها غير القانوني في الأراضي المحتلة، وخصوصًا في سياق المستوطنات والنظام المرتبط بها؛
اتخاذ خطوات لمنع أي نوع من العلاقات التجارية أو الاستثمارية التي قد تُسهم في استمرار الوضع غير القانوني لإسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك ما يتصل بالمستوطنات؛
سن تدابير تمنع المواطنين والشركات والمؤسسات الخاضعة للولاية القضائية للدول من تقديم أي نوع من الدعم للمستوطنات أو المساعدة في استمرار الوجود غير القانوني لإسرائيل في الأراضي المحتلة؛
وقف استيراد المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية، بالإضافة إلى منع تزويد إسرائيل بالأسلحة والذخيرة والمعدات ذات الصلة، في حال وجود شك معقول بأنها ستُستخدم في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛
فرض عقوبات، مثل حظر السفر وتجميد الأصول، على الأفراد والكيانات القانونية المتورطة في دعم الوجود غير القانوني لإسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما يشمل حالات العنف الاستيطاني.
يوجد إجماع عالمي في القانون الدولي على عدم شرعية المستوطنات الإسرائيلية. فمجلس الأمن الدولي، والأمين العام للأمم المتحدة، والمفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ومجلس حقوق الإنسان، والدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة العفو الدولية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ومنظمة هيومن رايتس ووتش، ومنظمتي ‘الحق’ و’بتسيلم’، جميعها تؤكد عدم شرعية هذه المستوطنات بشكل لا لبس فيه.
في الآونة الأخيرة، أصبح واضحًا أن المستوطنات الإسرائيلية تُشكل جريمة حرب من بين أخطر انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني. ففي تقرير قدّمته في مارس/ آذار 2021، خلال فترة عملي كمقرر خاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أكدتُ أن إقامة سلطة الاحتلال لمستوطنات مدنية في الأراضي المحتلة يُعد جريمة حرب، وذلك وفقًا لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، والذي ضمّته العديد من الدول إلى قوانينها الداخلية. وينص البند (2-ب) (8) من المادة الثامنة في النظام الأساسي على ما يلي:
‘...تشمل جرائم الحرب: قيام قوة الاحتلال، بشكل مباشر أو غير مباشر، بنقل جزء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها...’
وقد أنهيتُ تقرير عام 2021 بهذه العبارات:
‘...إن المستوطنات الإسرائيلية تمثل القوة الدافعة وراء هذا الاحتلال الذي لا نهاية له، وهي تُعد جريمة حرب. لا يمكن لقوة احتلال تبدأ وتوسّع مستوطنات مدنية في انتهاك للقانون الدولي ولنظام روما الأساسي أن تكون جادة بشأن السلام. وكذلك، فإن المجتمع الدولي الذي لا يطبق آليات مساءلة ضد قوة احتلال تتحدى القانون الدولي بشكل صارخ، لا يمكنه أن يدّعي الجدية تجاه قوانينه.’
إن التدابير المحدودة التي أعلنتها بعض دول الشمال العالمي ضد المستوطنين الإسرائيليين الأكثر تطرفًا وبعض منظماتهم، لن يكون لها أي تأثير فعلي على منع المستوطنات من التوسع الديناميكي، ما لم تُطبق العقوبات بشكل شامل كما نص عليها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/ أيلول 2024. ويجب أن تستهدف العقوبات القيادة السياسية في إسرائيل، لأنها المسؤولة بشكل مباشر عن الأنشطة التي تُمكّن وجود المستوطنات ونجاحها، مثل التخطيط، والتمويل، والإدارة القانونية، وتوفير الأمن، والحوافز، والترويج. وما عدا ذلك، فكل ما يتم هو مجرّد تضليل للرأي العام.







